الثلاثاء، 15 يناير 2008


مجهودات الدولة المغربية لمكافحة حوادث السيرلا تبعث على الإرتياح

حرب الطرق بالمغرب لا زالت تحصد المزيد من الأرواح



لا يخامر أحد الشك في أن دراسة حوادث السيرفي المغرب أمر كان ومازال يشكل عائقا حقيقيا للتنمية في البلاد، فتزايد عدد القتلى والجرحى بسبب هذه الحوادث دفع بالكثيرين إلى الحديث عن حرب طرق، حرب تستنزف خيرات البلاد البشرية، وتحصد الأرواح أكثر مما تحصه الحروب في البلدان دائمة
الصراعات و التوثر.

إن الغرض من تناولنا لهذا الموضوع هو تنبيه المواطن سواء كان صاحب القرار السياسي أو الاجتماعي
أو الأسري لظاهرة حوادث الطرق، التي تعد في المغرب بالذات كارثة إنسانية بامتياز.فبالرغم من المجهودات التي تبذلها الدولة للوقوف على الأسباب ومعالجة مكامن الضعف في طرقنا السيارة فإن الوضع يحتم إعادة النظر في مسببات هذه الكارثة الطرقية، التي تفرض على وزارة النقل والتجهيز تفعيل مدونة السير الجديدة، بدل تقديم الوعود التي لا محل لها من الإعراب.

هول الفاجعة

إذا قمنا بقراءة إحصائية لعدد حوادث السير على الطرقات منذ سنة 1982، أدركنا هول الأمر. حيث تبين الإحصائيات الرسمية لمديرية الطرق والسير على الطرقات، أن سنة 1982 كانت قد سجلت 25000 حادثة، أي ما يعادل 68 حادثة يومياً، نتج عنها وفاة 2500 ضحية. لكن هذا الرقم قفز ليصل سنة 1992 إلى 41331 حادثة، أي بمعدل 5 حوادث في الساعة، ونتج عن ذلك سقوط 3524 ضحية أي بمعدل 5 حوادث في الساعة، ونتج عن ذلك سقوط 3524 ضحية أي بمعدل 10 قتلى تقريبا في اليوم.
أما إذا أردنا معرفة الأوقات التي تكون فيها الحوادث في أوج عظمتها، فهي عند ساعات خروج الموظفين (12 ظهراً والسادسة مساء) تمثل الفترة العظمى للحوادث التي تقع في مجموع التراب الوطني، سواء كان ذلك داخل المدن أو خارجها.أما في الساعة السادسة مساء، فإن هذا الرقم يقفز إلى زيادة تقدر بـ 25% تقريبا في المدن (2600 حادثة). أما خارج المدن، فإن عدد الحوادث يصل إلى جوار 3400 حادثة (أكثر من 9 حوادث يومياً)ويعزى ذلك إلى عدم احترام أسبقية اليمين، والسرعة المفرطة، وعدم الوقوف عند إشارات المرور، والتجاوز حسب مشيئة السائق، والأمية المتفشية في أوساط كثير من السائقين، فعدم انتباه السائقين يشكل نسبة 37 % من حوادث السير،" حسب منظمة الصحة" والإفراط في السرعة يمثل 9،7 %، وعدم احترام الأسبقية 7،4 %.
وتعزى أسباب الفشل في ضمان السلامة الطرقية حسب منظمة الصحة العالمية لسببين، يتعلق الأول باتخاذ الناس موقف الإيمان بالقضاء والقدر أمام حوادث السير. و يتعلق الثاني بأن الناس لا يدركون حجم الأضرار التي تنجم عن حوادث الطرق، ولا يدركون إمكانية الوقاية من العديد من الحوادث والحد
من العواقب الصحية الضارة..
فمن نلوم إذا عندما تصبح الطريق تحصد الأرواح .نلوم أنفسنا، أم نلوم الدولة التي لم تزفت طرقنا أم نلوم العقلية المتحجرة التي تجعل المواطن المغربي رهين ثقافة السرعة.
فإذا كانت السرعة هي المسؤولة عن حوادث السير، فأين أجهزة المراقبة؟ فالجميع يدرك حجم المخالفات التي ترتكب يوميا بسبب الإفراط في السرعة ، والإجراءات التأديبية التي تتخد بشأنها، والذي يصل إلى أبعد تقدير إلى 10 بالمائة، فجميع السائقين سيفضلون أداء مبلغ 10 أو 20 درهم للمراقب عوض الدخول في إجراءات إدارية هم في غنى عنها، أو أداء مبلغ 400 درهم أو 500 درهم عوض الخضوع لعقوبات زجرية قد تودي بهم في السجن.
في المقابل عمدت الدولة المغربية إلى التقليص من حوادث السير عبر القيام بحملات توعية في وسائل الإعلام السمعية والبصرية وكذا بالقيام بإجراءات تأديبية في حق المخالفين أثناء الحملات الميدانية التي تقوم بها عناصر الشرطة والدرك إلا أنه رغم كل هاته الإجراءات لا زالت حوادث السير في ارتفاع، ومن خلالها عدد القتلى والجرحى في تزايد مستمر، مما يدل على أن ما تقوم به الدولة يفتقد لدراسة معمقة تحدد الأسباب والنتائج، وللخروج من الأزمة تعمد الدولة إلى استيراد قوانين بعيدة كل البعد عن العقلية المغربية المتحجرة التي لا ينفع معها في الغالب سوا الزجر بقوانين أكثر صرامة مما عليه الحال الآن.


أرقام تبعث على القلق

وفي بلاغ لوزارة النقل والتجهيز جاء فيه أن حصيلة حرب الطرق، التي وقعت في شهر يناير الماضي، بمختلف مناطق المغرب، كشفت ارتفاعا في عدد حوادث السير، بمقابل انخفاض في عدد القتلى، مقارنة مع الشهر ذاته من السنة المنصرمة. وذكر بلاغ للوزارة أن عدد حوادث السير، المسجلة بمختلف مناطق المغرب، في يناير 2007، بلغ 4 آلاف و591 حادثة سير، مسجلة بذلك زيادة وصلت إلى زائد 8.48 في المائة، مقارنة مع الشهر ذاته من سنة 2006 .
وأوضح البلاغ أن عدد الأشخاص، الذين لقوا حتفهم في هذه الحوادث، وصل إلى 248 ضحية، أي بانخفاض بلغ 5.65 في المائة، مقارنة مع الإحصائيات المسجلة خلال يناير من السنة الماضي
كما أضاف البلاغ ذاته أن مجموع الحوادث، التي سجلت خلال يناير الماضي، خلفت 944 مصابا بجروح بليغة (ناقص3.67 في المائة)، و5 آلاف و999 مصابا بجورح خفيفة (زائد8.21 في وحدد البلاغ 7 جهات سجلت انخفاضا في عدد القتلى، من بين جهات المملكة الـ 16
وقال إن الانخفاض هم جهات مراكش( تانسيفت ) الحوز بـ31 قتيلا (ناقص 48.33 في المائة)، والشاوية ورديغة بـ 18 قتيلا (ناقص 35.71 في المائة)، وفاس بولمان بـ 9 قتلى (ناقص0.50 في المائة)، ودكالة عبدة بـ17 قتيلا (ناقص 26.09 في المائة)، والجهة الشرقية بـ 17 قتيلا (ناقص 22.73 في المائة)، ومكناس تافيلالت بـ 16 قتيلا (ناقص23.81 في المائة)، وسوس ماسة درعة بـ 22 قتيلا (ناقص 12 في المائة).
وسجلت الوزارة أن جهتي الدار البيضاء الكبرى، وواد الذهب الكويرة، عرفتا استقرارا في عدد القتلى، خلال شهر ينايرالماضي، الأولى بـ 25 قتيلا، والثانية بقتيل واحد، مشيرة إلى أن 7 جهات المتبقية سجلت ارتفاعا في عدد القتلى، خلال الشهر المذكور .
وأبرزت أن الجهات المعنية بارتفاع عدد حوادث السير هي الغرب شراردة بني الحسن بـ 22 قتيلا (زائد 144.44 في المائة)، وطنجة ( تطوان بـ 24 قتيلا )زائد 100 في المائة(، والرباط - سلا- زمور-زعير بـ 22 قتيلا (زائد 57.14 في المائة)، وتازة الحسيمة تاونات وتادلة أزيلال بـ 23 قتيلا (زائد 27.78 في المائة)، والعيون بوجدور بـ 8 قتلى (زائد 100 في المائة)، وكلميم السمارة بـ 6 قتلى (زائد 100 في المائة).

السلامة الطرقية

إن الاستثمار في السلامة الطرقية شكل دوما جدلا تاريخيا بين دعاة السلامة على الطرق وبين من يرونها عبئا ماليا ثقيلا على الدول، وتشير وثائق منظمة الصحة العالمية في هذا الشأن إلى أن الدلائل على أرض الواقع تحسم الجدل لصالح دعاة السلامة، حيث أثبت الإنفاق في السلامة الطرقية في الدول الغنية أنه استثمار جيد يحقق عائدا ماليا يتراوح ما بين 9 و22% سنويا. إذ تم تعويض مصاريف السلامة بما تم توفيره من تكاليف إصابات الطرق، وهو ما أسفر عن صافي أرباح مالية. بالنسبة لمنظمة الصحة العالمية التي جعلت من اليوم العالمي للصحة للسنة الجارية السلامة الطرقية شعارا لها وبرنامج حملة تستمر طيلة العام، فإن حوادث السير في العالم باستمرار وتيرة حدوثها الحالية قد تنخفض في البلدان الغنية نتيجة للجهد المتواصل في مكافحتها بنسبة 30 %، رغم زيادة المعدل العالمي لإصابات الطرق بنحو 60 % ، لكن البلدان النامية والمتخلفة سوف تتحمل القسط الأكبر من هذه الزيادة العالمية في الوفيات والإعاقات بنسبة 60 %.
وترجع المنظمة الأسباب الرئيسية لذلك إلى التزايد السكاني والهجرة القروية نحو المدن وزيادة مستعملي السيارات، مع عدم تناسب هذه المتغيرات الديموغرافية والاجتماعية المتلاحقة للإجراءات الضامنة للسلامة على الطرق، لكن المنظمة تؤكد أنه " لا مناص للبلدان من تحسين السلامة على الطرق، لأسباب
مادية بحتة، ناهيك عن إنقاذ حياة البشر التي لا تقدر بثمن".
ويعتبر خبراء الصحة الدوليين أن حوادث السير تدخل في خانة المسببات العشر الأولى للأمراض والإصابات في العالم، ووضعوها التاسعة في قائمة ما يسمى بعبء المرض العالمي عام 1990، لكن بسبب ارتفاع معدلات الوفيات والإصابات الناجمة عن حوادث السير، أصبح اختصاصيو الوبائيات يتوقعون احتلالها الرتبة الثالثة في القائمة القاتلة بعد مرض القلب والاكتئاب الكبير بحلول العام 2020..
وللبنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية توقعات منذرة بالخطر، حيث يرجحان بلوغ عدد الإصابات على الطرق عام 2020 إلى مليونين و300 ألف قتيل، يحدث 90 % منها في البلدان الأقل امتلاكا للعربات.
وفي المغرب السلامة الطرقية تبقى مثار جدل كبير أطرافه المواطن والدولة والقانون .
كيف يمكن في ظل الأسباب المعقدة التي تعرفها طرقنا أن نتحدث عن سلامة طرقية، فالطرق في غالبيتها محفرة، السيارات والحافلات في حالة يرثى لها، سائقوا وسائل النقل لا ماضي لهم ولا حاضر فهم يعانون الأمرين، غياب تغطية صحية، غياب التقاعد، غياب الحد الأدنى للأجور... فكيف يمكننا أن نتحدث عن سلامة طرقة، الشئ الذي جعل العديد من الدول المتقدمة تنبه مواطنيها من الخطر الذي يهدد حياتهم إذا زاروا المغرب في يوم من الأيام.


ليست هناك تعليقات: