الاثنين، 10 ديسمبر 2007


قطاع النظافة في المغرب على كف عفريت

عمال النظافة يعانون الفاقة والعوز في ظل ظروف عمل صعبة و غير صحية




يعد قطاع النظافة بالمغرب من أضعف القطاعات على الإطلاق، لأنه لحد الآن لم يقنن بالشكل الذي يجعل منه قطاعا حيويا يحفظ لعمال النظافة في المغرب ماء وجههم، ويكفل لهم حقوقهم المادية والمعنوية، فرغم تفويته لشركات خاصة والتي يبلغ عددها بالدار البيضاء ثلاث شركات، فإن الساهرين على جمع الأزبال بهذه المدينة الصناعية، يتجرعون المرارة والألم لعدم كفاية الأجر الذي يتقاضونه، ولعدم العناية بصحتهم الجسدية التي تقتلها الروائح السامة التي يستنشقونها أثناء مزوالتهم لعملهم، الذي امتهنوه إما اختيارا أو إنصياعا لظروف الفقر والبطالة.

النظافة من الإيمان

إذا كان المرء قد تعود على رمي الأزبال في أقرب مطرح يصادفه، فليقف لوهلة في حياته ويتمعن الدور المهم الذي يقوم به عمال النظافة وهم يتجولون في الشوارع، و يهرولون وراء شاحنة جمع الأزبال التي لما تمر من جانبك حتى تكاد تتغاشى من شدة الروائح الكريهة المنبعثة منها، فبلكاد هؤلاء الغارقين في زخم الأزبال، حتى تعودوا على روائحها، فعامل النظافة يقوم بدور مهم ولولاه لا فاحت روائح شوارعنا،
التي ومع وجود هذه الشركات الخاصة، مازال تراكم الأزبال هو صورتها التي تلوث الحي وتشوه سمعته.
يقول أحد عمال النظافة بمدينة الدار البيضاء، والذي رفض الكشف عن اسمه مخافة طرده من العمل، "أنا في بدايتي كنت أعمل مع الجماعة الحضرية، وكنت مهتما بالنظافة،و بعد ذلك أصبحت أعمل مع الشركة الإسبانية ، ففي الحقيقة الظروف التي يعيشها عامل النظافة هي جد صعبة، فلابد أن يكون متحليا بالصبر، فأنا صبرت في هذا العمل لمدة أربع سنوات من أجل إعالة إخوتي اليتامى، فأنا كاري ب1500 درهم شهريا وراتبي لا يتعدى 1800 درهم، فهذا لا يكفي بتاتا حتى لتغطية مصاريف النقل فبلكاد أن تفكر في إستقرار بحالك بحال الناس."
ويضيف آخر من مستخدمي مصلحة النظافة أن مدينة الدار البيضاء، نسبة أزبالها تزداد بشكل كبير نظرا لتزايد عدد الساكنة الذي يبلغ حوالي خمسة ملايين نسمة، ويوجد بها تقريبا 30 ألف عامل نظافة يجمعون يوميا ما يقارب 6700 طن من الأزبال وبهذا الكم الهائل يزداد الثقل على هؤلاء العمال الذين ورغم كونهم يعملون ليلاو نهارا، ويتحملون التعب والإرهاق فدورهم يبقى بنظر الساكنة غير كافي،نظرا لتراكمات الأزبال في بعض الأحياء خاصة في فترات الأعياد وبالأخص عيد الأضحى، الذي يتعب فيه عمال النظافة بشكل كبير.
فالعقلية المغربية مازالت لم تعي جيدا أن النظافة من الإيمان، وأن أي إنسان هو في حياته منظف سواء كان في البيت أو الشارع، فلماذا هذه النظرة الدونية لعمال النظافة؟

عمال النظافة يشتكون

إن قطاع النظافة بالمغرب ينهض على كاهل فئة يصل عددها إلى حوالي 140 ألف شخص، تقع عليهم مهمة النظافة اليومية لصالح 30 مليون مواطن مغربي، وبحكم تزايد نسبة الساكنة في المدينة بسبب الهجرة القروية، بدأ هؤلاء العمال يكثرون من شكاويهم بسبب ضخامة المسؤولية الملقاة على عاتقهم، ومع تزايد نسبة التلوث البيئي وعدم إيلاء النظافة ما تستحق من اهتمام يجعل هؤلاء العمال خارج المنظومة المقننة في البلاد، فهم يعانون من مشاكل جمة، مادية كانت أو اجتماعية أو صحية أو حتى نفسية.
فصعوبة عملهم لا تقتصر فقط في طول المسافة التي يضطرون لكنسها، أو جمع الأزبال منها وإنما كذلك في طبيعة وسائل العمل المتآكلة والمعطوبة سواء كانت عربات تفتقر لمكانس أو شاحنات لا تتوفر على أدنى وسائل لجمع الأزبال بطريقة أكثر حمائية للعامل كالقفازات مثلا، خاصة إذا علمنا بأن الأزبال قد تحتوي على مواد سامة وأدوية منتهية الصلاحية، وحقن مستعملة ومواد كيماوية، وتدبيرها يتم بدون أن توفر للعمال أدنى وسائل الوقاية مثل الكمامات وغيرها من وسائل الوقاية، الأمر الذي يجعل العامل عرضة للإصابة بأمراض الحساسية والربو، والعيون وأمراض الجلد، ومع ذلك لا ينعمون بأية تغطية صحية، ماعدا في بعض الشركات التي أصبحت مؤخرا تهتم بهذا الجانب، إضافة إلى أن كل المشاكل التي ذكرناها تبقى العوامل النفسية أشد أثرا من غيرها، فقد تحدثنا مع أحد العمال الذين يقومون بكنس الأزقة والشوارع، فأطلعنا على أن المنظف الواحد يقوم يوميا بكنس وتنظيف ما بين 8 و12 كيلو متر من الشوارع في شتى الظروف سواء كان الصيف والشمس تتحرق ولا كان البرد وشتا تتصب، كما أضاف بأن هذه المهنة من أحقر المهن في مجتمعنا، فنظرة الناس للعمال النظافة ما زالت دونية، مع العلم أننا بحالها بحال المهن الأخرى، وحتى حنا عندنا أسر وأولاد تيحترمونا وزوجات تيخافوا علينا ولكن، دائما تنحسوا بنقص خاصة لما نسأل عن طبيعة العمل الذي نقوم به ففي غالب الأحيان البعض يفضل الكذب على قول الصراحة، أما أنا فلا أخجل من مهنتي، لأني اخترتها وأنا لست نادما، فقط أريد أن تعدل وضعيتنا ماديا وصحيا، وأن يصبح القطاع منظما وتكون لدينا حماية قانونية تقينا بطش الأقوياء .
في نفس الصدد تقول إحدى السيدات بأنها لا تقبل الزواج بهذا النوع من العمال، لا لشئ سوى أنها ستتخيله دائما في تلك الوضعية المقرفة التي لا يمكن أن تقبلها، حتى ولو كانت أخلاقه عالية،أما أخرى فاعتبرت هذا العمل شريفا ولا تجد حرجا في الزواج من أي شخص شريطة أن يكون عمله شريف، حتى ولو كان" زبال" بالمفهوم الدارجي الذي تتداوله الأوساط الشعبية، فالعمل كيفما كان هو عبادة، ودورهؤلاء يؤجرون عليه كثيرا لأنهم يجاهدون في سبيل تنظيف شوارعنا من الأزبال فنجازيهم بتحقير والإستهزاء هذا في نظري لا يليق بمجتمع يعد من الدول السائرة في طريق النمو، فمن الضروري أن نغير فكرنا حتى نستطيع أن نساير ركب التحضر والتنمية.
وإذا كانت هذه المهنة تبقى مثار جدل في الأوساط الاجتماعية التي ما زالت لم ترقى لتقديس مهنة عمال النظافة،فإن استفحال ظاهرة البطالة في المغرب تؤدي ببعض العاطلين إلى ممارسة هذه المهنة بسبب العوز والحاجة والدخل البائس الذي يضطر الكثيرين إلى البحث في القمامات عن قطعة حذاء، أو قطع غيار قصد بيعها لعل بذلك يسد بعض النفقات التي لا يستطيع راتبه الشهري أن يسدها.
ومن جهة ثانية نشير إلى أن المغرب قد رصد 4.3 مليار دولار على فترة 15 سنة لتطبيق برنامج وطني خاص بالنفايات الصلبة حسب تصريح وزير إعداد التراب الوطني والمياه والبيئة في حكومة جطوالسابقة
ونص البرنامج على إطلاق مشاريع لمعالجة مشاكل تدبير النفايات التي تضاعفت بسبب النمو الديمغرافي والهجرة القروية والتوسع العمراني، وتكليف الجماعات المحلية بمضاعفة الجهود من أجل وضع مشاريع متكاملة للحد من النفايات، من خلال إصدار مراسيم لتطبيق قوانين جديدة لتأسيس مركز وطني لمعالجة النفايات الخطيرة والذي سيعالج إلى 120 ألف طن من النفايات الصناعية والطبية سنويا
وبحسب الإحصائيات الحكومية فإن المغرب ينتج حوالي 7.5 مليون طن من النفايات الصلبة كل سنة، منها 6.5 مليون طن نفايات المنازل.
وحوالي 70% من هذه النفايات متركزة في المناطق الحضرية. وبخصوص النفايات الصناعية، ينتج المغرب حوالي 975 ألف طن من النفايات الصلبة كل سنة. وتنتج المؤسسات الصحية الخاصة والعامة في المغرب حوالي 11.910 طن من النفايات الطبية كل سنة.
غير أنه بالنسبة لوضعية عمال النظافة في المغرب فهي مازالت بين شد وجدب أطرافه الجماعة الحضرية وشركات النظافة الخاصة
.

ليست هناك تعليقات: