الاثنين، 15 أكتوبر 2007


الفضاءات الترفيهية بالمدينة الإقتصادية، طالها الإهمال والتهميش

حدائق الدارالبيضاء تحتضر






بعد أداء صلاة عيد الفطر، وزيارة الأقارب والأحباب تعمد غالبية الأسر المغربية إلى الترفيه عن أبنائها بإرتياد حدائق عمومية للألعاب أو للحيوانات لتكسيرالروتين وللتنفيس عن أطفالها.
غير أن الملفت في الأمر هو أن أغلب الحدائق طالها الإهمال أو بالأحرى النسيان من قبل المسؤولين، فلا حديقة عين السبع أو ياسمينة أو لارميتاج أو سندباد ...أصبحت تلبي متطلبات ساكنة المدينة نظرا للتآكل الذي تعرضت له أغلب ألعابها.
*****

تعتبر مدينة الدار البيضاء من المدن المغربية التي تعرف كثافة سكانية مهمة بسبب الهجرة الداخلية نظرا لكونها قطبا إقتصاديا بإمتياز، وفي ظل الإهتمام المتنامي بمجال الإسكان والتعمير، فإنه لم يعد هناك مجال لخلق فضاءات خضراء ومنتزهات ترفيهية، تسلي أبناء المواطنين بعد أسبوع شاق من العمل، بإستثناء حدائق طالها الإهمال وأصبحت مهجورة، إما نظرا لبعدها أو لعدم إيلاء الإهتمام بها.

إذا كان أولاد الأغنياء تسنح لهم أموالهم بالتمتع بأحلى الأوقات في ما كدونالدز أو غيرها من أماكن الترفيه فإن أبناء الطبقة الكادحة لا يساعفهم الحظ إلا في التوجه قبلة أقرب حديقة ، توجد بضواحي سكناهم ، وسأعطي مثالا حديقة عين السبع ، هذه الأخيرة التي قمت بزيارتها وشاهدت بأم عيني ما آلت إليه، وهي التي كانت منذ زمن في رعيان حيويتها وتألقها هي الآن تحتضر وغيرها كثير، فلا حديقة الألعاب ولا حديقة الحيوان أمرهما يفرح فهم سيان.
شحوب وذبول وذباب وروائح كريهة تزكم الأنوف وأشجارفقدت بريقها بسبب الثلوت ،أزبال وأوساخ متناثرة هنا وهناك، ألعاب تآكلت، حيوانات شاخت وهي تتجرع مرارة الجوع والحرمان من أبسط الحقوق وهو الحق في النظافة، برك ملوثة مليئة بالحشرات ، فبمجرد أن تفكر في خوض غمار تجربة الدخول للتنزه ولمداعبة الحيوانات الأليفة أو مشاكسة الحيوانات الشرسة . فإنك ستصطدم برائحة مقرفة تجعلك تعود للخلف بدل التقدم للأمام.
تقول إحدى المواطنات المتدمرات من الوضع " والله حتى حشومة عليهم ، واش عباد الله الماء ماكينش في البلاد، أنا بعد آخر مرة نرجع لهاذ المكان المقزز، أنا عد بالي جايا نرفه على راسي وعلى وليداتي ساعة صدقت مريضة في صحتي.
تضيف أخرى ، " هذا هو المكان الوحيد الذي أقصده كل نهاية أسبوع لتمضية بعض الوقت مع الأطفال خارج أسوار المنزل، فبالرغم من كوني غير راضية على الوضع الذي تعيشه الحديقة ولكن الله غالب، فأنا أشتغل بالحي الصناعي، وراتبي لا يسعفني في تحمل مصاريف التنقل إلى حدائق أخرى كسندباد مثلا."
فقد أصبح آباء وأولياء الأطفال يشعرون بتدمر شديد في الخصاص الذي تعاني منه أحياؤهم من قلة الفضاءات الخضراء واالأماكن الترفيهية ، التي وبالرغم من التزايد الذي تعرفه المدينة في عدد سكانها خاصة بفعل الهجرة الداخلية فإننا نجد بأن الدولة لا تخطط لإحداث فضاءات خاصة بالأطفال تمكنهم من اللعب أوقات الفراغ وأيام العطل بإستثناء حدائق تعد على رؤوس الأصابع واوضاعها لا تبشر بالخير نظرا لعدم الإهتمام بها .
تحكي إحدى الوظفات،" في الدار البيضاء نسجل تقهقر وضعف تجهيز الحدائق وعدم الإهتمام بالمواقع الترفيهية التي أصبحت شبه مهجورة مثلا سندباد كان تيتضرب بيه المثل ولكن اليوم أغلب ألعابه لم تعد صالحة للإشتغال ، إضافة إلى أنه في أيام العيد يكون هناك إكتظاظ على نفس اللعبة مما يفسح المجال للمشادات الكلامية بين الزوار وقد تنقلب إلى شجار حقيقي، غير أن ما أريد الإشارة إليه هو أن هناك تمييز طبقي فيما يخص هذه الناحية، ففي الوقت الذي نجد فيه الطبقات الغنية توفر لأبنائها وسائل الترفيه التي تجعلهم أكثر نشاطا ، بالمقابل نجد الطبقات الفقيرة أبناؤها تلعب في أزقة والدروب وبالتالي يصبحوا عرضة للإنحراف وللفساد الأخلاقي، فعلى مسؤولي الجماعات المحلية ومجلس المدينة أن يهتموا قليلا بهذه الفضاءات" .
أما أحد الآباء الساخطين على الوضع فيقول" أنا ماعنديش فين ندي بنتي لأنه ببساطة ليست هناك فضاءات مناسبة ، كاين سندباد ولكن بعيدعلي، كذلك الأثمنة غالية في الحدائق المجهزة."
ففي خضم هذا الوضع المحرج الذي تتخبط فيه اغلب الحدائق بالبيضاء، من غياب للصيانة والنظافة و الحراسة بحيث أصبحنا نرى أن هذه الحدائق أضحت قبلة للعاشقين الذين وجدوا في جنباتها مرتعا خصبا للإختلاء، إضافة إلى أن المنحرفين ومدمني المخدرات أصبحوا يسكنون بزواياها مع الكلاب الظالة.
يجعل من الجماعات المحلية و مجلس مدينة الدار البيضاء يتحملان المسؤولية، لانه لم يقم بوظيفته على أحسن وجه، بحيث حراس هذه الحدائق والعاملون على النظافة يعانون من وضع صعب بحيث لا تتجاوز رواتبهم 1000حتى 1500 درهم ، الأمر الذي يفسر عدم الإهتمام بنظافة الحدائق إلا من رحم ربي.
فأين مجلس المدينة من هذا الكلام ؟ وماهو دور المسؤولين الذين تعاقبوا على تسيير وإدارة مدينة الدارالبيضاء؟ في العناية بهذه الفضاءات التي تشكل قطبا حيويا للتسلية والترفيه عن أطفالنا، الذي يعتبرالحق في اللعب من الحقوق التي يكفلها لهم الميثاق الدولي لحقوق الإنسان
أين هي الدولة ؟ التي لا تولي على ما يبدوا ضمن مخططاتها الإهتمام بالمجال الترفيهي ، المتمثل في توفير فضاءات خضراء لساكنة البيضاء الذين خنق التلوث أنفاسهم...، لماذا لا تشجع الدولة الإستثمار في هذا المجال؟ فمثلا نجد أن دولا شقيقة قد سبقتنا في هذا المجال كديزني لاند في فرنسا، الذي يحقق أرباحا خيالية.
نشيرإلا أنه خلال أيام الأعياد والعطل تنشط أمام هذه الفضاءات ظاهرة الباعة المتجولين الذين يقتنصون الفرص للربح المادي .

*******
في تصريح لجريدة المستقل، عمارحمداش يؤكد: الفضاءات المشتركة تغيب بقوة من المجالات الحضرية المغربية.
يمكن القول بداية أن الفضاء العام هو ما يميز بشكل كبير الإطار الحضري للحياة، الفضاء العام بما هو مجال للإستقبال والإتصال والترفيه أو التعبير، عن الإحتفالات بما يرتبط بشؤون الحياة الحضرية ولكن للأسف مثل هذه وذلك راجع إلى كون هذه المجالات الحضرية قد صارت مجالات للإستقرارالسكني أكثر منها لتصريف قيم الحياة الحضرية.
لأن الحياة الحضرية دون عيش ملائم ودون مواصفات البيئة الحضرية الحقة لا يمكنها أن تشكل تلك الصفة إلا بإحتضان هذه الفضاءات المشتركة والعامة التي يمكن أن تشكل ليس فقط متنفسا لإستقبال الكبار والصغار، وإنما أساسا إطارا لتنشئة على قيم الجمال والتربية على المواطنة والسلوك النظامي والجماعي المتوافق مع المعايير النظامية والقانونية،فهذه الفضاءات لها دور مهم في التأطير والتوجيه والتربية، إضافة إلى الوظائف المباشرة من ترفيه عن النفس والتربية على العيش المشترك
.

ليست هناك تعليقات: